الثورات العربية-الربيع العربي ..هل كان حقا عفويا..؟؟؟!!

عند الحديث عن الربيع العربي المزعوم، يبدو من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، الجزم بعفوية الثورات كما حدثت وكما قدمتها لنا وسائل الإعلام المختلفة، سواء العربية منها أو الغربية. تسارع الأحداث منذ البداية جعل من الصعب جدا على المتابع أن يتأكد من صحتها أو من خلفيتها السياسية، لكن بمراجعتها بتأني وتفصيل، تظهر صورة مختلفة تماما للوقائع تثبت بقوة أن أغلب الثورات والإضطرابات اللتي أدت إلى سقوط الأنظمة، قد غاب عنها طابع العفوية أو تم التلاعب بمجرياتها وتوجيهها بما يخدم مصالح دول معينة سواء على المستوى السياسي أو الإقتصادي.
هذه المبالغ المالية التي تم إيصالها للجمعيات المدنية عبر المؤسسات ومراكز الأبحاث اللتي تظهر كداعمة للديموقراطية والحريات السياسية والمدنية، لكن إذا تعمقنا قليلا، نجد أن أغلب هذه المؤسسات ماهي إلا واجهة مدنية مزيفة لأجهزة الإستخبارات الأمريكة بالخصوص، واللتي تعمل عبرها على تمرير مخططات سياسية معينة تنتهي حتميا بالثورات الملونة كما حدث من قبل في أوكرانيا وعدد من جمهوريات الإتحاد السوفياتي وفي يوغوسلافيا ضد سلوبودان ميلوزيفيتش. وحتى أقدم من ذلك في بولندا قبيل سقوط الإتحاد السوفياتي، عبر فيدرالية النقابات المسماة « سوليدارنوسك » (التضامن) المعارضة للحكم الشيوعي آنذاك بقيادة زعيمها ليش فاليسا واللتي كانت تتلقى التمويل من المخابرات المركزية الأمريكية عبر الفاتيكان ومؤسساته المالية مذ عام 1983. أما في أحداث مصر، فقد لعب الميلياردير الأمريكي  جورج سوروس دورا كبيرا في تمويل أغلب جمعيات المجتمع المدني عبر مؤسساته الخيرية العاملة هناك منذ عام 2003 (بالمناسبة فهو نفسه من يمول و يدعم جمعية العاهرات الهيستريات المسماة « فيمن » FEMEN في أوروبا عبر مؤسسات مدنية أوكرانية و فرنسية). 

وتبدو العفوية في الحالة السورية غائبة تماما عن الصورة منذ البداية، قرغم الإقرار بديكتاتورية وعنف نظام البعث السوري منذ عقود، واللتي لا يمكن نفيها بتاتا، فإن الدعم والتسليح السريع والفعال لجماعات المرتزقة في سوريا كان جاهزا وموجودا منذ بداية الأزمة. ونتذكر في هذا السياق المستشفى الميداني المجهز والأسلحة الكثيرة اللتي تم العثور عليها في الجامع العمري بمدينة درعا السورية منذ بداية المظاهرات، وكذلك الهجوم على القصر العدلي وإحراقه بالكامل في نفس المدينة، ومهاجمة مخافر الشرطة وحواجزها في ريف إدلب ودير الزور من طرف عصابات مسلحة. بالإضافة إلى الهجوم على موقع عسكري بمدينة جسر الشغور حيث تم قتل أكثر من 80 جنديا أغلبهم ذبحا بالسكاكين أيضا خلال الشهور الأولى للأزمة، وذلك قبل بدء الإنشقاقات أو تشكيل ما يسمى بالجيش الحر بشهور.

وإن كان النظام السوري قد فضل اللجوء للحل الأمني العنيف، كما دأب دائما، فإمكاننا الجزم أن دولا عديدة، ومنها قطر وتركيا، قد بدأت اللعب على أوتار الفوضى السياسية منذ بدء المواجهات الأولى في سوريا عام 2011، و سعت للتصعيد الكارثي بكل إمكانياتها إمعانا في جعل الأزمة عصية على الحل بالنسبة للنظام والدفع بإتجاه حل عسكري دولي على شاكلة النموذج الليبي، مما ينفي تماما طابع السلمية عن هذه الثورة … !!!
أما بالنسبة لليبيا، فالكل يعلم تماما ما اللذي حصل في دولة مفككة قبليا يجمعها نظام إداري يعتمد استقراره بالأساس على مدى حسن توزيع الثروة النفطية بين مختلف المناطق، مع غياب شبه تام لأية مؤسسات سياسية قوية تسمح بتسيير معقلن للدولة بكل مقوماتها، ما عدى ما كان يسمى بالمجالس الشعبية واللتي كانت مؤسسات صورية لا تسير حتى ميزانياتها بدون الرجوع للقذافي.

ولهذا، ما إن بدأت أولى الإضطرابات في المدن الليبية، حتى بدأت تتفكك مؤسسات الدولة، ولم تكن لدى الجيش الليبي (اللذي أضعفه القذافي لحماية نفسه من خطر الإنقلابات بتحويله لمجرد كتائب وإن كانت جيدة التسليح نسبيا) أية قدرة لفرض سلطته على كل المناطق المشتعلة. وما صعب المهمة إلى حد الإستحالة هو أن تاريخ العقيد القذافي المليء بالمؤامرات ضد كل دول الجوار، وخاصة دول الخليج، جعل الكل يستنفر قدراته ليدعم قوات المعارضة بالتسليح والمال. فتدخلت قطر والإمارات والأردن. وبلغ التحريض الإعلامي مستوى غير مسبوق عبر قناتي « الجزيرة » و »العربية » وصحف دول الخليج، لتكتمل الصورة بالتدخل الفرنسي عبر حلف الناتو واللذي بدا واضحا أنه مرتبط بالسيطرة على مصافي وآبار النفط عبر إسقاط النظام بسرعة.

وبعد ذلك بأزيد من سنة، ظهرت الحقيقة واضحة، وتبين أن مقتل القذافي بتلك الطريقة البغيضة قد كان مطلبا فرنسيا بالأساس طبقا لما ظهر من معلومات تفيد بكون تمويل الحملة الإنتخابية للرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، قد تم عبر المخابرات الليبية بمبلغ يقارب 50 مليون يورو، وهو ما أكده رجل الأعمال اللبناني زياد تقي الدين عبر قناة تلفزيونية فرنسية. وهو معروف بكونه قد تدخل مباشرة في العديد من صفقات الأسلحة الفرنسية التي تم بيعها لليبيا مباشرة بعد إزالة الحظر الدولي عن نظام القذافي بين عامي 2005 و2007، وقد كان تكليفه يتم عبر نيكولا ساركوزي منذ كان وزيرا للداخلية (للتذكير فصفقات الأسلحة الفرنسية شملت دولا أخرى كالسعودية وباكستان وسوريا ونتجت عنها عمولات بمبالغ ضخمة بلغت مئات الملايين من الدولارات وتمت كلها عبر تفويض مباشر من ساركوزي وعبر زياد تقي الدين).
من جهة أخرى، ظهر مؤخرا كتاب للمؤلف الفرنسي برنارد هنري ليڤي بعنوان: « الحرب بدون أن نحبها » La Guerre Sans l’Aimer، يوثق فيه أحداث الثورة الليبية بكل تفاصيلها الخفية ودوره فيها، ويوضح فيه كيف حرض وسائل الإعلام الأوربية، والفرنسية منها على وجه الخصوص، ضد النظام الليبي، وكيف حرك علاقاته الديبلوماسية لتهريب السلاح لقوات المعارضة، بل وحتى قيامه بكتابة بيانات المجلس الإنتقالي الليبي اللتي كان يبعثها لوكالات الأنباء والقنوات الإخبارية، وإن صح كل ما جاء في هذا الكتاب، فذلك يعتبر كارثة كبرى بكل المقاييس.
ولعل حجم الفوضى السياسية والأمنية اللتي انتشرت في ليبيا بعد سقوط النظام مع غياب تام للسيطرة المركزية للدولة، اللتي تشتت بين سلطة عصابات المرتزقة والثوار عبر كامل التراب الليبي، تؤكد تماما أن الأمر لا يتعلق بثورة عفوية كما حاولت وسائل الإعلام إقناعنا بذلك. والغريب في الأمر أن الفوضى لا تمس بأي شكل من الأشكال آبار ومواقع إنتاج النفط، اللتي أصبحت تسيطر عليها شركات أمريكية وبريطانية بالكامل، بينما خرجت فرنسا من العملية كلها بخفي حنين. وهذا يذكرنا بما قاله القذافي نفسه وابنه سيف الإسلام عند بداية الأزمة من أن الأمر كله يتعلق بالسيطرة على موارد وآبار النفط ولا علاقة له لا بحرية الشعب الليبي ولا بالديموقراطية.
كل ما ذكرته من أحداث ووقائع يظهر بما لا يدع مجالا للشك أن الربيع العربي هو أبعد ما يكون عن العفوية وأن أغلب تطوراته وخاصة الدرامية منها كانت مخططة منذ مدة طويلة وتم التجهيز لها عبر الدعم المادي والسياسي والديبلوماسي وحتى العمل السري لأجهزة الإستخبارات. و ما يؤكد ذلك،أن أغلب الدول اللتي تدخلت بسبب أو بآخر في الإضطرابات السياسية والإجتماعية، لم تسعى أبدا إلى طرح حلول للأزمات، بل على العكس من ذلك بحثت عن كل أشكال التصعيد وإطالة الأزمة والصعود بها نحو مستويات أعلى من التعقيد، سواء عبر التحريض والتضليل الإعلامي بوسائل الإعلام أو التحريض السياسي في المؤسسات الدولية كمجلس الأمن أو الأمم المتحدة أو الجامعة العربية، وكذلك عبر تشجيع ودعم كل محاولات الإنشقاق وتشتيت كيان الدول المستهدفة بكل سفالة، حتى عبر تدريب وتسليح قوات المعارضة في تآمر واضح  بين، وأخص بالذكر هنا الدور القطري والتركي والسعودي والأردني في كل من سوريا وليبيا.
لقد كان خريفا عاصفا بلون دماء مئات الآلاف من الضحايا الأبرياء اللذين قتلو أو جرحوا في خضم الفتن اللتي إنطلقت كعاصفة من الفوضى الهادرة عبر العالم العربي. خريف اندلعت فيه حروب أهلية دموية دمرت فيها البنى التحتية والمقدرات الإقتصادية لدولتين عربيتين هما سوريا وليبيا، وهو ما سيتطلب منهما  عشرات السنين وآلاف المليارات من الدولارات لإعادة بناء كل ما تهدم.

خريف إنتشرت فيه الفتنة وسفكت فيه دماء الأبرياء بالباطل الشبهات و هتكت فيه أعراض الناس وسلبت أرزاقهم ونهبت بيوتهم. خريف تآمرت فيه دول عربية على دول أخرى وصرفت مليارات الدولارات لتدمير بعضها البعض عوض النهوض بشعوبها والإستثمار في ما يعود بالفائدة على الجميع، حتى تجاوز ما صرفته قطر على تصعيد الأزمة السورية منذ بدايتها أكثر من 16 مليار دولار. خريف كثرت فيه المؤامرات والخيانة والخداع والتضليل والكذب من طرف المسؤولين السياسيين والصحافيين ووسائل الإعلام والقنوات التلفزيونية، بل وصل فيه الخداع والتدليس حتى رجال الدين اللذين أغرقوا القنوات والصحف ومنابر المساجد بفتاوى الفتنة والقتل والطائفية البغيضة في صورة بشعة لا تمت للإسلام بصلة. إنه خريف فوضوي يمكن تلخيصه في كلمتين: الهرج والمرج … !!!

 مهدي بوعبيد

16 ماي 2013

http://www.wijhatnadar.com/الربيع_العربي_هل_كان_حقا_عفويا-8109.html

Printemps Arabe 3

À propos mbouabid
A Borderline Geek, blogging and sharing about Economics, Politics, Miltary and Technology issues... !!!.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :