الإسلام السياسي ورهانات الفشل الحتمي … مصر نموذجا

 

مهما حاولوا الترويج له والدفاع عنه وإلباسه ثوب القدسية الإلهية، فالشيء المؤكد الآن هو أن الإسلام السياسي بكل أطيافه، إخوانية كانت أو وهابية أو سلفية، بات يحمل في طياته أسباب فشله الحتمي كأسلوب لإدارة الدولة بكل مقوماتها ومقدراتها ومشاكلها وأزماتها.

فالمتابع الدؤوب للأحداث في مصر مثلا، سوف تظهر له كمية الإرتجال وسوء التقدير والتدبير لملفات هي على درجة قصوى من الأهمية والخطورة بالنسبة لبلد في مكانة مصر، سواء في ما يخص أزمة مياه النيل وسد النهضة الذي بدأت إثيوبيا في بنائه والطريقة الصبيانية المفضوحة التي تم التعامل بها مع الأزمة مع ما تمثله من خطورة على الأمن القومي للدولة، أو في ما يخص الأزمة السورية التي تفتق فيها ذهن الرئيس مرسي العياط عن فكرة قطع العلاقات الديبلوماسية مع سوريا لإرضاء دول الخليج والدخول بذلك في المواجهة الطائفية بين الشيعة والسنة، والتي يتم التحضير والتجييش لها بشكل فظ ومفرط في الوقاحة، سواء من طرف الغرب ومن ورائه الصهيونية العالمية بكل إمكانياتها، أو من طرف مشيخات وملكيات الخليج السائرة في نفس الركب. ناسيا تماما أنه بهاته الخطوة الغير المحسوبة، سوف يخرج مصر كدولة و كقوة إقليمية من مجال تأثيرها التاريخي في الشرق الأوسط، ليحصرها في القارة الإفريقية، حيث فقدت تأثيرها القوي منذ وفاة جمال عبد الناصر.

أما على الجبهة الداخلية، فما زال مرسي العياط ومن ورائه الإسلاميون عاجزين عن فهم مسؤوليات والتزامات الحكم تجاه الشعب المصري أولا، ويقصرون فهمهم الضيق على كون شرعية الديموقراطية التي أوصلتهم إلى القمة عبر صناديق الإنتخاب، إنما هي ترجمة لإرادة النصر والتمكين في الأرض التي إختصهم الله بها لأنهم يحملون لواء الحكم الإسلامي. وبذلك فهم يبنون كل قراراتهم و تحركاتهم السياسية على هذا الأساس، ويكرسون فكرة الرفض التام لكل أشكال المعارضة السياسية، مهما كانت مشروعة أو مطلوبة في هذا الوقت بالذات، ويصرون على إدخال كل معارضيهم في خانة القوى العلمانية الكافرة والرافضة للمشروع الإسلامي بخلفيته الدينية أولا قبل رفض فشله في إدارة الأمور الدنيوية من أزمات إقتصادية وسياسية وأمنية وإجتماعية باتت مصر تغرق فيها كل يوم.

والرئيس مرسي العياط، الذي يفترض كونه رئيسا لكل المصريين أولا بكل إحتلافاتهم وتلاوينهم الدينية والسياسة، يترجم هذه المفاهيم المتصلبة والمغرقة في الإنغلاق على الذات بشكل فج على الأرض ولعل تعيينات المحافظين الأخيرة بكارثيتها تبين ذلك بوضوح، كل ما سبق يظهر للعيان أن الإسلام السياسي الذي أمضى عقودا في العويل والصراخ والإحتجاج ضد قمع الأنظمة السياسية له في مختلف دول العالم العربي، لم يستعد كما يجب للفرصة التي منحت له و إن بدعم أمريكي مفضوح.

ولعل الجميع قد صدم للغياب التام للكفاءات داخل التنظيمات الإسلامية بكل أشكالها. فعلى الرغم من كل الكوادر المهنية والتقنية التي تملأ جماعة الإخوان المسلمين على سبيل المثال، فهم غير قادرين على إدارة الأزمات الخانقة التي يعاني منها المصريون حاليا سواء على المستوى الإقتصادي أو الإجتماعي، ناهيك عن السياسي. و ذلك عائد بالدرجة الأولى لإنغلاقهم داخل المنظومة الدينية بشكل مفرط، طوال عقود متواصلة. فباتوا لا يتقنون سوى اللعب على وتر القدسية التي أضفوها على مشروعهم الإسلامي بكونه الوحيد القادر على تخليص الأمة من مآسيها، وما إن تحقق حلمهم على الأرض حتى إكتشفوا أن مشروعهم ليس إلا إطنابا وحشوا للكلام ولا مجال لتطبيقه واقعيا في زمننا هذا.

فإلى جانب الكوارث السياسية، على المستوى الإقتصادي لا يملكون سوى إستجداء المساعدات المالية من دول الخليج أو من الغرب أو عبر الإستدانة المفرطة من صندوق النقد الدولي، بالظبط كما فعل النظام السابق و الذي طالما أشبعوه إنتقادا في هذا المجال.

ويمكن إسقاط كل ما سبق على باقي الدول التي وصل فيها الإسلام السياسي إلى الحكم، سواء بصيغة الخريف العربي، أو بإصلاح سياسي مؤقت، تبقى سمة الفشل الذريع هي الطاغية بقوة، والكارثة العظمى التي يقصر فهم الإسلاميين الضيق عن تصورها، هي أنهم بإلباس الإسلام كدين و عقيدة، ثوب المشروع السياسي، فهم يلبسون فشلهم الحالي بالدين بشكل مباشر، مع ما سوف لذلك من تداعيات خطيرة على المستوى السياسي والإجتماعي و الديني بالنسبة للشعوب العربية والإسلامية.

لكن يبقى من المهم التذكير هنا بالنتيجة الإيجابية الوحيدة لكل هاته الكوارث المتصلة، إذ من المؤكد أن الجميع سوف يفهمون في نهاية المأساة، أن الإسلام هو أولا دين وعقيدة قبل أن يكون مشروع دولة أو حكم، وأن تلبيسه بالسياسة بهذا الشكل المريع، لا يمكن أن ينتج عنه شيء ذو قيمة إيجابية، بل بالعكس تماما، السياسة بكل سلبياتها، سوف تزيل عن الدين ثوب القدسية الإلهية وسوف تخضعه لمقاييس التجارب الدنيوية بكل أحكامها وفشله كمشروع سياسي لإدارة الدولة سوف ينسحب بالتالي على الإسلام ككل … فهل آن لهم أن يتعظوا قبل فوات الأوان …. ؟؟؟!!

مهدي بوعبيد

24/06/2013 

 
 
Image

À propos mbouabid
A Borderline Geek, blogging and sharing about Economics, Politics, Miltary and Technology issues... !!!.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :