الدعم السياسي الأمريكي للإخوان المسلمين، أسبابه، دواعيه و نتائجه …

رغم كل الإدعاءات الباطلة و التصورات المغالية في المثالية السياسية فإنه قد بات من المسلم به أن وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم في مصر لم يكن ممكنا بدون الدعم الأمريكي المباشر لهم، تلك حقيقة لا مراء فيها و لم يعد هناك مجال للتشكيك في مجرياتها مهما إدعى الإسلاميون من كون نجاحهم هو نتاجا لإرادة شعبية صرفة و إن كان شيء من هذه الأخيرة قد ظهر خلال الإنتخابات الرئاسية بنسب تصويت لم تتعدى 5 ملايين صوت و التي أرجعها بالأساس إلى كون المنافسة على كرسي الرئاسة آنذاك قد حصرت بين محمد شفيق ممثل النظام السابق بكل مساوئه التي ثار ضدها المصريون و بين محمد مرسي العياط كممثل لجماعة الإخوان المسلمين و من ورائها كل أطياف الإسلام السياسي، مع خوف حقيقي من إستحواذ المجلس العسكري و الجيش على السلطة بشكل نهائي، مما قلص خيارات الشعب المصري بشكل درامي لم يكن من الممكن معها الخروج بنتيجة أخرى غير وصول الجماعة إلى كرسي الرئاسة.

 

و هذا الدعم له أسبابه الموضوعية من وجهة نظر الأمريكيين أنفسهم، فلو سلمنا بعفوية الثورة المصرية ضد نظام مبارك بكل أحداثها ( رغم أن دلائل كثيرة تشير إلى عكس ذلك تماما )، فالولايات المتحدة الأمريكية التي أخذت على حين غرة بتسارع الأحداث التي أدت إلى سقوط نظام مبارك, بادرت إلى محاولة إستيعاب نتائج الثورة لكي لا تتركها لتنتهي بما يخالف إرادتها و مصالحها في منطقة الشرق الأوسط، و لهذا كان من الضروري التدخل و بقوة لإفراغها من ذلك الزخم الأسطوري الذي ملأ جنبات ميدان التحرير و ملأ معها قنوات التلفزيون العالمية بصور الملايين منالمصريين الذين تحدوا كل أشكال الخوف التي كان يمثلها نظام حسني مبارك بكل جبروته و طغيانه، و لم يكن الأمريكيون على إستعداد لتكرار سيناريو الثورة الإيرانية التيأطاحت بالشاه رضا بهلوي و أطاحت معه بكل التوازنات الإقليمية التي أمضوا سنواتعديدة في تثبيتها في منطقة الشرق الأوسط، و لذلك أسرعوا بالتدخل بقوة لخلق البلبلة السياسية و حالة عدم الإستقرار المتواصل الضرورية لدفع المجلس العسكري إلى البحث عن الخروج السريع و الآمن من فخ الحكم الذي عجزوا عن القيام بمهامه دون الدخول في صدام عنيف و دام مع المصريين بكل تلاوينهم السياسية، و لم يكن هذا التدخل لينجح بدون التنسيق مع القوة السياسية الوحيدة التي تملك التنظيم الكافي و الحجم المناسب للقفز على الثورة المصرية و إرادة الثوار أنفسهم، ( التي للتذكير، عارضوها و بشدةفي بادئ الأمر، مستنكرين مبدأ الخروج عن الحاكم ) و هم الإخوان المسلمون الذين طالما تربصوا بهذه الفرصة منذ عقود.

 

و من المنظور السياسي الأمريكي المغرق في البراغماتية و الحقارة معا، ليس هناك أفضل من قوة سياسية يمينية، رجعية و مطعمة بفاشية دينية تشكلت عبرعقود متواصلة من العمل السري الذي فرضه الإضطهاد الأمني و السياسي الذي مارستهالأنظمة السابقة ضد جماعة الإخوان المسلمين منذ عهد الملك الفاروق و حتى عصر نظام مبارك، بالإضافة إلى مسحة التطرف الديني التي لا تخفى على أحد و التي تمثل أساس المعتقد لدى أتباع الجماعة بكونهم يمثلون الطائفة الناجية و الزمرة الصالحة المكلفة بإنقاذ الأمة من الفسق و الضياع و ما دونها من توجهات سياسية و إحتماعية هو كفر ونفاق لا يعترف به و لا قيمة له مهما بلغت شرعيته في الشارع المصري، كل هذه الأسباب تجعل من الجماعة اللاعب المفضل لدى صناع السياسة الخارجية الأمريكية، فهم إلى جانب كل ما سبق، قد تعاملوا مع الإخوان من قبل و خبروا قدرتهم الأسطورية على المناورة من أجل تحقيق هدفهم الأسمى و هو الوصول إلى الحكم و هم في سبيل ذلك مستعدون للتعاون مع إسرائيل بشكل كامل و مهادنتها بالمحافظة على أسس إتفاقية كامب ديفيد، ضدا على كل أدبياتهم الجهادية و كل إنتقاداتهم الجهورية لنظام حسني مبارك في هذا الجانب، و من جهة أخرى، بحكم علاقاتهم المتشعبة بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين فهم قادرون على السيطرة على حركة حماس و لجم إندفاعها سياسيا و عسكريا بإتجاه التهدئة و بالتالي إدخالها على نفس المسار السياسي السلمي الفاشل الذي سبقتها إليه حركة فتح و من ورائها منظمة التحرير الفلسطينية، و كلنا نعرف أن هذا المسار العبثيكانت و ما تزال له نتيجة واحدة، تأمين الكيان الصهيوني كدولة و ذلك بتحييد كافة القوى التي تتبنى فكر المقاومة و تقليم مخالبها.

 

على المستوى الداخلي، كان الهدف الأساسي من إيصال الإخوان المسلمين للحكم هو الحد من كل الزخم السياسي الذي بدأ في التبلور داخل مصر عقب سقوط نظام حسني مبارك، فتطور التوجهات السياسية بحرية مطلقة في كل الإتجاهات و خاصة بالنسبة لبلد يتجاوز تعداد سكانه 85 مليون نسمة كمصر مع كل ما يمثله هذا الرقم من إمكانيات إقتصادية و إجتماعية و سياسية و مجرد تخيل خروج هذه كل الإمكانيات من دائرة السيطرة الأمريكية التي عملت بكل قدرتها و لسنوات عديدة للحفاظ عليها، لهو بمثابةكابوس لا يمكن القبول به و من ثم يبقى من الأفضل وضع كل ذلك الزخم تحت سيطرة الإخوان المسلمين بصفتهم حاملي لواء الإسلام السياسي في مصر بكل ما لهاته الكلماتمن ثقل و رهبة إجتماعية و دينية بالنسبة لغالبية المصريين.

 

و بالإضافة لكل ما سبق، يبقى الهدف الرئيسي من وراء الدعم السياسي الأمريكي لجماعة الإخوان المسلمين هو إكمال المخطط المراد تنفيذه في المنطقة والذي بات بمثابة النتيجة النهائية لكل ثورات الخريف العربي بكل أحداثها، ألا و هو إستكمال بناء الجبهة الرئيسية في المنطقة التي سوف تناط بها مهمة مواجة الهلال الشيعي كما سماه عاهل الأردن الملك عبد الله الثاني سنة 2004، و الذي يتشكل حاليا بزعامة إيران و تبعية العراق و ما تبقى من النظام السوري و توابعه السياسية في لبنان في مواجهة الجبهة السنية التوجه الوهابية التمويل و الإخوانية المظهر و التي تتشكل من قطر و السعودية و تركيا و الأردن و لذلك كان من الضروري و المحتم إستكمال هذا التحالف بدولة من حجم مصر، التي لم يكن من الممكن أبدا بالنسبة للمخططين لهذه المواجهة الطائفية الحتمية أن يضيعوا الفرصة السانحة لإستقطاب كل قوى الإسلام السياسي المصرية إلى جانبهم، و لعل مؤتمر نصرة سوريا الذي إنعقد في مصر مؤخرا بحضور الرئيس مرسي العياط مع كل ما عرفه من تحريض و تجييش ضد الشيعة في صورة مغرقة في العبثية و التدليس الديني الطائفي لهو العنوان البارز للمرحلة القادمة في الشرق الأوسط بكل ما يعنيه ذلك من توتر سياسي و حتى إمكانيات المواجهة العسكرية المباشرةبين 

الجبهتين.

 

هذا الدعم الذي بات مفضوحا بكل المقايييس يهدف من ورائه صناع السياسية الخارجية الأمريكية إعادة ترتيب المشهد السياسي لمنطقة الشرق الأوسط التي تغيرت معالمها بسقوط أنظمة سياسية كانت تمثل الدعامة الرئيسة لإرادتهم، و ضمان إستمرار تدفق النفط الخليجي بدون إنقطاع مع تأمين الكيان الصهيوني بتحييد أية إمكانية للمواجهة المباشرة بينه و بين الدول العربية، و في سبيل تحقيق هاتهالأهداف الحيوية، فهم مستعدون للعب بكل الأوراق المتوافرة أمامهم، بما فيها قوى الإسلام السياسي التي طالما تنطعت و تفاخرت بكونها منزهة عن التعامل مع القوى الإمبريالية الغربية و من ورائها الصهيونية العالمية، لتغدو في آخر الأمر مجرد قطعة شطرنج على خريطة الشرق الأوسط الجديد الغارق في تجارب الفوضى الخلاقة، و ما إن تستكمل هذه القوى مهمتها حتى يتم التخلص منها بسرعة، و العبرة فيمن سبقوا لكن منيتعظ … ؟؟؟!!

مهدي بوعبيد
27/06/2013

Image

À propos mbouabid
A Borderline Geek, blogging and sharing about Economics, Politics, Miltary and Technology issues... !!!.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :